الجمعة 6 نوفمبر 2026 04:07 مـ
أوتو العرب
  • أوتو العرب | أكبر موقع عربي متخصص في السيارات
  • أوتو العرب | أكبر موقع عربي متخصص في السيارات
  • أوتو العرب | أكبر موقع عربي متخصص في السيارات

نيوز أوتو

سامر شقير يكتب: عندما تُصبح الجغرافيا أصلًا استثماريًّا

سامر شقير
سامر شقير

لم تعد التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز مجرد عامل مؤقت في حركة التجارة، بل بدأت، من وجهة نظري، تؤثر في الطريقة التي تُصمم بها سلاسل الإمداد بين أوروبا والخليج، وعندما تتغير طرق التجارة، تتغير معها قيمة الأصول التي تتحكم في هذه الطرق.
ما يلفت انتباهي في هذا السياق هو الدور الذي بدأت مصر تلعبه كممر بديل للبضائع الأوروبية المتجهة إلى السعودية، فبحسب تصريحات وزير النقل المصري كامل الوزير، تصل بعض البضائع إلى ميناء الإسكندرية، ثم تُنقل برًّا إلى موانئ البحر الأحمر قبل إعادة شحنها بحريًّا إلى المملكة.
هذا ليس مجرد تغيير في وسيلة النقل، بالنسبة إلى المستثمر، هو إعادة توزيع للقيمة داخل سلسلة الإمداد.

الجغرافيا تتحول إلى أصل استثماري
أرى أن ما يحدث يعيد التأكيد على أهمية الموقع الجغرافي عندما تصبح طرق التجارة التقليدية أكثر تعرضًا للمخاطر.
مصر تمتلك شبكة من الموانئ والطرق وموقعًا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، بينما تمتلك السعودية سوقًا ضخمة واستثمارات واسعة في البنية التحتية والموانئ والخدمات اللوجستية، وعندما يلتقي الموقع المصري مع الطلب السعودي، تنشأ فرصة لبناء ممر تجاري أكثر مرونة بين أوروبا والخليج.
مصر رصدت نحو 9 مليارات جنيه لتطوير أرصفة في ميناء الإسكندرية، وتستهدف تسيير أربعة خطوط ملاحية جديدة خلال العامين المقبلين، لكنني لا أنظر إلى هذه الأرقام باعتبارها وحدها أطروحة استثمارية؛ الأهم هو ما إذا كانت هذه الاستثمارات ستتحول إلى حركة بضائع مستدامة وإيرادات تشغيلية وتدفقات نقدية قابلة للنمو.
وهنا تحديدًا يجب أن ينتقل المستثمر من متابعة الأخبار إلى حساب العائد.

الفرصة ليست في الميناء وحده
أعتقد أن الفرصة الاستثمارية لا تقتصر على امتلاك أو تشغيل الموانئ، فالممر متعدد الوسائط يحتاج إلى منظومة كاملة: نقل بري، تخزين، خدمات مناولة، إعادة شحن، تكنولوجيا تتبع، تمويل وتأمين، وربط رقمي بين مراحل الرحلة.
وهذا يعني أن إعادة توجيه جزء من التجارة الأوروبية نحو هذا المسار يمكن أن تخلق قيمة عبر سلسلة كاملة من الشركات والأصول.
من منظور تخصيص رأس المال، سأبحث عن الشركات التي تستطيع الاستفادة من زيادة حركة التجارة من دون أن تعتمد أطروحتها بالكامل على استمرار أزمة جيوسياسية، هذه نقطة مهمة، لأن الاستثمار في البنية التحتية يختلف عن المضاربة على خبر سياسي.
إذا كانت الشركة تحقق عائدًا جيدًا حتى في الظروف الطبيعية، ثم تحصل على ميزة إضافية من ارتفاع الطلب على المسارات البديلة، تصبح الأطروحة أكثر قوة.

السعودية قد تكون المستفيد الأكبر
بالنسبة إلى السعودية، فإن تنويع طرق الإمداد لا يتعلق فقط بخفض تكاليف النقل، بل برفع مرونة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.
رؤية 2030 تضع الخدمات اللوجستية والموانئ والربط التجاري في قلب عملية تنويع الاقتصاد، وكلما أصبحت المملكة مركزًا للتجارة وإعادة التصدير، ازدادت أهمية وجود أكثر من مسار للوصول إلى أسواقها.
لهذا أرى أن المستثمر المؤسسي يجب ألا ينظر إلى الممر المصري-السعودي باعتباره مشروعًا منفصلًا، بل كجزء من شبكة أوسع تشمل الموانئ السعودية، ومشروعات البحر الأحمر، والمناطق الاقتصادية، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالمشروعات الكبرى.
القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه الأصول من مجرد بنية تحتية إلى شبكة متكاملة قادرة على جذب التجارة وتوليد تدفقات نقدية.
لا أبني أطروحة استثمارية على التوتر وحده
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية.
المسار البديل أكثر تعقيدًا من المسار البحري المباشر، لأن نقل البضائع برًا بين الموانئ يضيف تكلفة ووقتًا ومراحل تشغيلية إضافية، كما أن انخفاض التوترات الجيوسياسية أو تحسن ظروف الملاحة قد يعيد جزءًا من التجارة إلى المسارات التقليدية.
لذلك، لا أرى أن استمرار التوترات يجب أن يكون أساس الاستثمار.
الاستثمار الأقوى هو الذي يستطيع الصمود حتى إذا تغيرت الظروف الأمنية.
وهنا يصبح مفهوم «هامش الأمان» مهمًا جدًا، فإذا كانت قيمة الشركة أو الأصل تعتمد على استمرار اضطراب جيوسياسي إلى أجل غير محدد، فإن هامش الأمان يكون ضعيفًا، أما إذا كانت الشركة تمتلك أصولًا استراتيجية، وعقودًا طويلة الأجل، وتدفقات نقدية مستقرة، وقدرة على تمرير جزء من التكاليف إلى العملاء، فإن تغير مسارات التجارة يمكن أن يصبح عامل نمو إضافيًّا وليس العامل الوحيد للنمو.

2026 قد يكون عام إعادة تقييم الممرات
من وجهة نظري، أحد أهم التحولات الاستثمارية في 2026 هو أن المخاطر الجيوسياسية أصبحت تدخل بصورة أكبر في قرارات تصميم سلاسل الإمداد.

لم يعد السؤال فقط: ما أرخص طريق؟
السؤال أصبح: ما الطريق الذي يمكن الاعتماد عليه عندما يتعطل الأرخص؟
وهذا التغيير له قيمة اقتصادية، الشركات قد تكون مستعدة لدفع تكلفة أعلى مقابل الاستقرار والمرونة، والدول قد تكون مستعدة للاستثمار في بنية تحتية توفر بدائل استراتيجية، والمستثمرون قد يعيدون تقييم الأصول التي تتحكم في هذه البدائل.
لهذا أرى فرصًا حقيقية أمام رأس المال المؤسسي في الموانئ والخدمات اللوجستية والنقل متعدد الوسائط في مصر والسعودية، لكنني أفضل الاستثمار في الأصول التي تمتلك منطقًا اقتصاديًّا مستقلًا عن الأزمة.
في النهاية، الجغرافيا لا تتغير، لكن قيمتها الاقتصادية تتغير عندما تتغير المخاطر.
ومصر، بحكم موقعها بين المتوسط والبحر الأحمر، تمتلك فرصة لتحويل هذه الجغرافيا إلى ميزة تجارية، والسعودية، بحجم سوقها وطموحاتها اللوجستية، تمثل الطرف الآخر من هذه المعادلة.
بالنسبة لي، الرهان الحقيقي ليس على استمرار الأزمة، بل على أن العالم أصبح أكثر استعدادًا لدفع ثمن المرونة، وعندما تصبح المرونة جزءًا من تكلفة التجارة، تصبح الموانئ والممرات البديلة أصولًا تستحق إعادة التقييم.

⇧