الأربعاء 4 نوفمبر 2026 06:47 مـ
أوتو العرب
  • أوتو العرب | أكبر موقع عربي متخصص في السيارات
  • أوتو العرب | أكبر موقع عربي متخصص في السيارات
  • أوتو العرب | أكبر موقع عربي متخصص في السيارات

بيزنس

من نتائج الامتحانات إلى عوائد الاقتصاد.. سامر شقير يُحلل مستقبل رأس المال البشري

رائد الاستثمار-سامر شقير
رائد الاستثمار-سامر شقير

تكشف نتائج امتحانات A-level البريطانية لعام 2026 عن مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فبعد عامين من تسجيل تفوق طفيف للطلاب الذكور في الدرجات العليا، تواصل الفتيات في المقابل تحقيق نتائج متقدمة على الأولاد في عدد من دول الخليج، وفق مؤشرات دولية تقيس التحصيل في العلوم والرياضيات والقراءة، هذه الفجوة بين الاتجاهين لا تمثل مجرد اختلاف في النتائج التعليمية، بل تفتح نقاشًا أوسع حول كيفية بناء رأس المال البشري، وتوجيه المواهب، وتحويل التفوق الأكاديمي إلى إنتاجية اقتصادية.

في بريطانيا، أظهرت البيانات التي أعلنها المجلس المشترك للمؤهلات (JCQ) أن نسبة الحاصلين على الدرجات العليا A وA بلغت 28.9% بين الذكور، مقابل نحو 28% بين الإناث، ورغم محدودية الفارق، فإن استمراره للعام الثاني يطرح تساؤلات بشأن التغيرات في اختيار المواد الدراسية، خصوصًا مع توجه أكبر من الطلاب الذكور إلى تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).

لكن قراءة هذه الأرقام باعتبارها دليلًا على تفوق فطري أو تحول دائم في القدرات ستكون قراءة متسرعة؛ فاختيار المواد، وطبيعة التقييم، والظروف التعليمية والنفسية، كلها عوامل تؤثر في النتائج، كما أن استمرار تفوق الإناث في مستويات النجاح الأوسع وحضورهن الكبير في إجمالي المواد الدراسية يؤكد أن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة بين نسب الدرجات العليا.

اقرأ أيضاً

الخليج.. تفوق أكاديمي لم يتحول بالكامل إلى قوة اقتصادية

على الجانب الآخر، تكشف نتائج دراسات دولية، من بينها اختبارات TIMSS للعلوم والرياضيات وPIRLS للقراءة، عن تفوق للفتيات على الأولاد في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، مع اختلاف حجم الفجوة من دولة إلى أخرى، وتظهر هذه المؤشرات أهمية النظر إلى التحصيل الدراسي بوصفه قاعدة للمواهب المستقبلية، لا مجرد نتيجة تعليمية منفصلة عن احتياجات الاقتصاد.

هنا تبرز إحدى أهم القضايا الهيكلية في أسواق الخليج: كيف يمكن تحويل التفوق الأكاديمي للإناث إلى مشاركة أكبر في القطاعات الإنتاجية والوظائف النوعية؟ فارتفاع مستويات التعليم لا يحقق عائدًا اقتصاديًّا كاملًا ما لم يقترن بفرص عمل مناسبة، وتدريب مهني، ومسارات للترقي والقيادة.

وفي هذا السياق، تمثل السعودية نموذجًا مهمًا للتحول، فقد ارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل إلى نحو 33%–35% خلال 2025، متجاوزة المستهدف الأصلي لرؤية 2030 البالغ 30%، وهذا التطور يعكس أثر الإصلاحات التنظيمية وتوسيع فرص العمل، كما يوضح أن الاستثمار في التعليم يمكن أن يتحول إلى مساهمة مباشرة في نمو الاقتصاد غير النفطي عندما تتوافر البيئة المناسبة.

رأس المال البشري يدخل حسابات المستثمرين

من منظور الاستثمار المؤسسي، لا ينبغي تقييم جودة رأس المال البشري من خلال نتائج الامتحانات وحدها، بل من خلال قدرة الاقتصاد على تحويل المعرفة والمهارات إلى إنتاجية وقيمة مضافة، ويؤكد مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations أن جودة المهارات والموارد البشرية تمثل أحد الأسس التي تقوم عليها الميزة التنافسية للدول.

هذا المفهوم يكتسب أهمية مضاعفة في اقتصادات الخليج التي تستهدف تنويع مصادر النمو وتوسيع قطاعات التكنولوجيا والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية المتقدمة، فهذه القطاعات تحتاج إلى قاعدة واسعة من الكفاءات، ولا يمكن بناء اقتصاد معرفي تنافسي مع ترك جزء من المواهب خارج دائرة الإنتاج.

لذلك، أرى أن قطاعات التعليم التقني والتدريب المهني ومنصات التعلم التكيفي يمكن أن تكتسب أهمية استثمارية أكبر، خصوصًا تلك التي تربط المناهج باحتياجات سوق العمل، وتساعد الطلاب والطالبات على الانتقال من التعليم إلى وظائف عالية الإنتاجية، كما أن الاستثمار في المهارات الرقمية والبرمجة والبيانات والهندسة ينبغي ألا يُبنى على افتراضات جندرية مسبقة، بل على قياس القدرات والاحتياجات الفعلية.

مخاطر سوء قراءة المؤشرات

في المقابل، يجب الحذر من التعامل مع الفروق السنوية في نتائج الاختبارات باعتبارها تحولات هيكلية مؤكدة، فنتائج بريطانيا لا تعني بالضرورة أن الذكور أصبحوا أكثر تفوقًا في المجالات العلمية، كما أن تفوق الفتيات في بعض الاختبارات الخليجية لا يعني أن فجوات الأداء قد اختفت أو أن جودة التعليم أصبحت متجانسة بين الدول.

ويذكِّرنا دانيال كانيمان في كتابه Thinking, Fast and Slow بمخاطر الأحكام السريعة والتحيزات التي تؤثر في تفسير البيانات، ومن هذا المنطلق، فإن توجيه الموارد التعليمية والاستثمارية يجب أن يستند إلى تحليل أسباب الفجوات، لا إلى تعميمات قد تؤدي إلى إهمال مواهب أو احتياجات فئات بعينها.

كما أن معالجة أي ضعف نسبي في أداء الأولاد، بالتوازي مع توسيع الفرص أمام الفتيات، تمثل ضرورة لبناء قاعدة بشرية أكثر توازنًا، فالهدف ليس نقل التفوق من مجموعة إلى أخرى، بل رفع مستوى المهارات والإنتاجية لدى الجميع.

من التفوق الدراسي إلى العائد الاقتصادي

خلال السنوات المقبلة، ستكون قدرة الدول على قياس العائد الاقتصادي من الاستثمار في التعليم عاملًا مهمًا في تحديد تنافسيتها، ولن يكون السؤال الأهم هو مَن يحقق درجات أعلى، بل مَن يمتلك المهارات التي يحتاجها الاقتصاد، ومَن يستطيع تحويلها إلى ابتكار وإنتاجية وفرص عمل مستدامة.

في السعودية والخليج، يرتبط ذلك مباشرة بأهداف التنويع الاقتصادي ورؤية 2030، وبقدرة القطاعين العام والخاص على استيعاب الكفاءات النسائية والذكورية في القطاعات الجديدة، أما بالنسبة للمستثمرين، فإن متابعة معدلات التوظيف والإنتاجية والمشاركة في سوق العمل، إلى جانب مؤشرات التحصيل الأكاديمي، ستمنحهم رؤية أدق لجودة رأس المال البشري.

وكما يوضح مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money، فإن بناء القيمة على المدى الطويل يتطلب الصبر وفهم الاتجاهات العميقة، لا الاكتفاء بردود الفعل تجاه نتائج سنوية، وفي تقديري، فإن الميزة التنافسية الحقيقية في 2026 وما بعدها لن تكون لمن يتفوق في الامتحانات فحسب، بل لمن ينجح في تحويل هذا التفوق إلى مهارات منتجة، وفرص اقتصادية، ونمو مستدام.

رائد الاستثمار سامر شقير ⇧